أحمد بن علي القلقشندي
88
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ففتكت به أيديها ، وكشفت له عن غطاء العواقب التي كانت منه مباديها ، وأخذه من أخذه أليم شديد ، وعدل فيه من قال * ( وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * ( 1 ) : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ ) * ( 2 ) . ولما نشرت لواء الإسلام وطواه ، وعضّدت الحقّ وأضعف قواه ، وجنيت عقبى ما نويت وجنى عقبى ما نواه ، وأبيت إلا إمضاء العزم في الشّرك وما أمضاه ، * ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه وأَضَلَّه الله ) * ( 3 ) ودفعت الخطب الأشقّ ، وطلعت أنوار النصر مشرقة بك وهل تطلع الأنوار إلَّا من الشّرق ( 4 ) ، وقال لسان الحق : * ( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ ) * ( 5 ) ، قضى اللَّه تعالى إلى أمير المؤمنين عدّة قدّمها ثم قضاها ، وولَّاه كما ولَّى جدّه صلى اللَّه عليه وسلم قبلة يرضاها وانتصر له بك انتصاره لأهل البيت بسلمانه وعمّاره ( 6 ) ، وأنطق أمير المؤمنين باصطفائك اليوم وبالأمس كنت عقد إضماره ؛ وقلَّدك أمير المؤمنين أمر وزارته ، وتدبير مملكته وحياطة ما وراء سرير خلافته ، وصيانة ما اشتملت عليه دعوة إمامته ، وكفالة ( 7 ) قضاة المسلمين ، وهداية دعاة المؤمنين ، وتدبير ما
--> ( 1 ) فصّلت / 46 . ( 2 ) ق / 37 . ( 3 ) الجاثية / 23 . ( 4 ) الجدير بالذكر أن شير كوه كان من كبار القواد في جيش نور الدين محمود بن زنكي بدمشق . وقد أرسله نور الدين على رأس جيش إلى مصر في المرّة الأولى لنجدة شاور السعدي وفي المرة الثانية لنجدة صلاح الدين ضد شاور المذكور وفي المرة الثالثة لنجدة أهل بلبيس كما مرّ معنا . وهذا هو المراد بالإشارة إلى نجدة أهل المشرق لأهل مصر . هذا وقد تحقق اللقاء الكبير بين الشام ومصر على يد صلاح الدين فيما بعد ، وكان من شأن ذلك الانتصارات العظيمة للمسلمين على جيوش الغزو الصليبي . ( 5 ) الأنعام / 88 . ( 6 ) الإشارة إلى سلمان الفارسي وعمار بن ياسر ، الصحابيين الجليلين . ( 7 ) كان من ألقاب أسد الدين شير كوه : السيّد الأجلّ ، الملك المنصور ، وليّ الأمة ، فخر الدولة ، كافل قضاء المسلمين ، هادي دعاة المؤمنين . ( أنظر الوزارة والوزراء في العصر الفاطمي : 290 ) .